عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

189

اللباب في علوم الكتاب

قوله : فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ، أي : نعمه ، وهو جمع مفرده « إلي » بكسر الهمزة وسكون اللّام ؛ كحمل وأحمال ، أو « أليّ » بضمّ الهمزة وسكون اللّام ؛ كقفل ، وأقفال ، أو « إلى » بكسر الهمزة ، وفتح اللام ، كضلع وأضلاع ، وعنب وأعناب ، أو « إلى » بفتحهما كقفا وأقفاء ؛ قال الأعشى : [ المنسرح ] 2501 - أبيض لا يرهب الهزال ولا * يقطع رحما ولا يخون إلى « 1 » ينشد بكسر الهمزة ، وهو المشهور ، وبفتحها ؛ ومثلها « الآناء » جمع « إنّي » أو « أنّي » أو « إنّى » أو « أنّى » . وقال الأخفش « 2 » : « إنو » . والآناء الأوقات كقوله : وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ [ طه : 130 ] . وسيأتي . ثم قال : « لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » فلا بدّ هاهنا من إضمار ؛ لأنّ الصّلاح الذي هو الظّفر بالثّواب لا يحصل بمجرد التذكر ، بل لا بدّ من العمل ، والتقدير : فاذكروا آلاء اللّه واعملوا عملا يليق بذلك الإنعام لعلّكم تفلحون . قوله : « لنعبد » متعلق بالمجيء الذي أنكروه عليه . واعلم أنّ هودا - عليه السلام - لما دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدّليل القاطع ، وهو أنّه بيّن أنّ نعم اللّه عليهم كثيرة والأصنام لا نعمة لها ؛ لأنّها جمادات ، والجماد لا قدرة له على شيء أصلا - لم يكن للقوم جواب عن هذه الحجّة - إلا التمسك بالتّقليد فقالوا : « أجئتنا لنعبد اللّه وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا » فأنكروا عليه أمره لهم بالتّوحيد ، وترك التقليد للآباء ، وطلبوا منه وقوع العذاب المشار إليه بقوله : « أَ فَلا تَتَّقُونَ » وذلك أنّهم نسبوه إلى الكذب ، وظنّوا أنّ الوعيد لا يتأخر ، ثم قالوا : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ جوابه محذوف أو متقدّم ب « ما » ، وذلك لأنّ قوله : اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ مشعر بالتّهديد والتّخويف بالوعيد ، فلهذا قالوا : « فأتنا بما تعدنا » . قوله : إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ جوابه محذوف أو متقدّم ، وهو فأت به . واعلم أنّ القوم كانوا يعتقدون كذبه لقولهم : وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ فلهذا قالوا : « فأت به إن كنت من الصّادقين » وإنّما قالوا كذلك لظنهم أن الوعيد لا يجوز أن يتأخر ، فعند ذلك قال هود - عليه السلام - : « قد وقع عليكم » ، أي : وجب عليكم . فصل في تفسير هذه الآية قال القاضي « 3 » : تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر ؛ لأنّ بعد كفرهم وتكذيبهم

--> ( 1 ) ينظر : ديوانه ( 285 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 218 ) ، معاني الزجاج 2 / 384 ، الدر المصون 3 / 291 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن للأخفش 1 / 213 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 129 .